أبو الليث السمرقندي
62
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، قال ابن عباس : وذلك أن بني إسرائيل قيل لهم في التوراة : أيما قتيل وجد بين قريتين لا يدرى قاتله ، فليقس إلى أيتهما أقرب ، فعمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما واسمه عاميل ، فقتلاه لكي يرثاه ؛ وكانت ابنة عم لهما شابة جميلة حسناء ، فخشيا أن ينكحها ابن عمها عاميل ، ثم حملاه إلى جانب قرية ، فأصبح أهل القرية والقتيل بين أظهرهم ، فأخذ أهل القرية بالقتيل وجاءوا به إلى موسى . وروى ابن سيرين عن عبيدة السلماني أن رجلا كان له قرابة فقتله ليرثه ثم ألقاه على باب رجل ، ثم جاء يطلب بدمه ، فهموا أن يقتتلوا ولبس الفريقان السلاح ، فقال رجل : أتقتتلون وفيكم نبي اللّه ؟ فجاؤوا إلى موسى - عليه الصلاة والسلام - فأخبروه بذلك ، فدعا اللّه تعالى في ذلك أن يبيّن لهم المخرج من ذلك ، فأوحى اللّه تعالى إليه ، فأخبرهم بذلك وقال : إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها ، يعني بعض أعضاء تلك البقرة فيحيا ، فيخبركم من قتله قالُوا : يا موسى ، أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً ؟ قرأ عاصم في رواية حفص برفع الزاي بغير همز ، وقرأ حمزة بسكون الزاي مع الهمزة ، وقرأ الباقون بالهمز ورفع الزاي . ومعناه أتتخذنا سخرية ، يعني أتسخر بنا يا موسى ؟ فإن قيل : ألم يكن هذا القول منهم كفرا ، حيث نسبوه إلى السخرية ؟ قلنا : الجواب أن يقال قد ظهر عندهم علامات نبوته وعلموا أن قوله حق ، ولكنهم أرادوا بهذا الكشف والبيان ولم يريدوا به الحقيقة ؛ ف قالَ لهم موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، يعني أمتنع باللّه . ويقال : معاذ اللّه أن أكون من المستهزئين . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : فلو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم بالمسألة فشدد اللّه عليهم بالمنع لما قالُوا : يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ ، أي سل لنا ربك أن يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ، أي يبيّن لنا كيفية البقرة ، إنها صغيرة أو كبيرة . قالَ لهم موسى : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ، يعني لا كبيرة هرمة ، ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ، وسطا ونصفا بين ذلك يعني بين الصغيرة والكبيرة . وقد قيل في المثل : « العوان لا تعلّم الخمرة » ، يعني أن المرأة البالغة ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن تختمر . وقوله تعالى : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ولا تسألوا . فسألوا وشددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم . قالُوا : يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ ، أي سل لنا ربك يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ، قال لهم موسى : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ، يعني شديد الصفرة . كما يقال : أصفر فاقع إذا كان شديد الصفرة ، كما يقال : أسود حالك ، وأبيض يقق ، وأحمر قاني ، وأخضر ناصع إذا وصف بالشدة . وقال بعضهم : أراد به بقرة صفراء الظلف والقرن ، أي شعرها وظلفها وقرنها